الشوكاني
261
فتح القدير
المعنى ، وقيل على ( ورثوا الكتاب ) ، والأولى أن تكون في محل نصب على الحال بتقدير قد . والمعنى : أنهم تركوا العمل بالميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب ، والحال أن قد درسوا ما في الكتاب وعلموه فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل ، وذلك أشد ذنبا وأعظم جرما . وقيل معنى ( درسوا ما فيه ) أي محوه بترك العمل به والفهم له ، من قولهم درست الريح الآثار : إذا محتها ( والدار الآخرة خير ) من ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها ( للذين يتقون ) الله ويجتنبون معاصيه ( أفلا تعقلون ) فتعلمون بهذا وتفهمونه ، وفى هذا من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره قوله ( والذين يمسكون بالكتاب ) قرأ الجمهور " يمسكون " بالتشديد من مسك وتمسك : أي استمسك بالكتاب وهو التوراة . وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر بالتخفيف من أمسك يمسك . وروى عن أبي بن كعب أنه قرأ " مسكوا " والمعنى : أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب ولا يعملون بما فيه مع كونهم قد درسوه وعرفوه وهم من تقدم ذكره ، وطائفة يتمسكون بالكتاب : أي التوراة ويعملون بما فيه ويرجعون إليه في أمر دينهم فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند الله ، والموصول مبتدأ ، و ( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) خبره : أي لا نضيع أجر المصلحين منهم ، وإنما وقع التنصيص على الصلاة مع كونها داخلة في سائر العبادات التي يفعلها المتمسكون بالتوراة لأنها رأس العبادات وأعظمها ، فكان ذلك وجها لتخصيصها بالذكر ، وقيل لأنها تقام في أوقات مخصوصة ، والتمسك بالكتاب مستمر فذكرت لهذا ، وفيه نظر . فإن كل عبادة في الغالب تختص بوقت معين ، ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على الموصول الذي قبله وهو للذين يتقون ، ولكون ( أفلا تعقلون ) جملة معترضة . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( يسومهم سوء العذاب ) قال محمد وأمته إلى يوم القيامة ، وسوء العذاب : الجزية . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال ( سوء العذاب ) الخراج ، وفي قوله ( وقطعناهم ) قال : هم اليهود بسطهم الله في الأرض فليس منها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله ( ليبعثن عليهم ) قال : على اليهود والنصارى ( إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون ( وقطعناهم في الأرض أمما ) قال : يهود ( منهم الصالحون ) وهم مسلمة أهل الكتاب ( ومنهم دون ذلك ) قال : اليهود ( وبلوناهم بالحسنات ) قال : الرخاء والعافية ( والسيئات ) قال : البلاء والعقوبة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) بالخصب والجدب وأخرج أبو الشيخ عنه أنه سئل عن هذه الآية ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ) قال : أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ( ويقولون سيغفر لنا ) ولا يعرض لهم شئ من الدنيا إلا أخذوه . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( فخلف من بعدهم خلف ) قال : النصارى ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) قال : ما أشرف لهم من شئ من الدنيا حلالا أو حراما يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة ، وإن يجدوا الغد مثله يأخذوه . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ( فخلف من بعدهم خلف ) الآية يقول : يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام ( ويقولون سيغفر لنا ) . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي زيد في قوله ( ودرسوا ما فيه ) قال : علموا ما في الكتاب لم يأتوه بجهالة . وأخرج ابن أبي حاتم